عبد الرحمن بدوي

21

أرسطو عند العرب

التعب . لكنه كما أن محبة الإنسان لنفسه لا شبع فيه « 1 » ، كذلك عقله لذاته لا شبع منه . وكما أن محبة الإنسان لنفسه دائم ، كذلك حال الشئ الذي يعقل ذاته عندما يعقله . وكما أن العاشق لنفسه إذا كان هو نفسه يحب نفسه ويعشقها ، كذلك الذي يعقل ؛ وما يعقل ذاته فهو نفسه يعقل . والعقل الأول هو مبدأ جميع الأشياء [ 210 ا ] الموجودة المعلومة عنده . وعقله « 2 » لها ليس على سبيل التصفح لواحد واحد ، ولا بأن يدع واحدا ويقبل على الآخر ، لكن بإدراكه معا ودفعة . ولأنه على غاية الكمال والتمام فهو غير محتاج إلى زمان ، كما أن العين البصير ( ة ) تبصر أشياء كثيرة دفعة بل على أكثر من ذلك : يعقل العقل الأول جميع المعقولات معا إذا عقل ذاته . ولا يجب أن ينكر ذلك ولا أن يقاس بالعقل منه الضعف ، ولا يخرج من جهل إلى معرفة ، ولا به حاجة أن ينتج نتائج لم تكن تثبت له من مقدمات بيّنة . وقد تبين من جميع ذلك أن اللّه هو المبدأ الأول وأنه يعلم ذاته وجميع الأشياء التي هو لها مبدأ معا ، وأنه إذا كان مالكا لذاته فهو أيضا مالك لجميع الأشياء التي قوامها « 3 » به . والعقل والمعقول منه واحد . فالعقل الأول يعقل العالم ، وذلك أنه - إن تكثر - إذا عقل ذاته ، عقل أنه ما هو ، فقد تعقل من ذاته أنه علة جميع الأشياء ومبدؤها .

--> ( 1 ) الضمير المذكر يعود على مطلق الحال أو الفعل ، وكذا فيما يلي بعد في السطر التالي : دائم . ( 2 ) ن : غفلها . ( 3 ) ن : قوامه بها .